ترامب وإيران: هل يمكن للاقتصاد أن يعيد تشكيل سلوك الجمهورية الإسلامية؟

تطرح المقاربة الأمريكية الجديدة تجاه إيران سؤالاً مركزياً: هل يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى احتواء إيران عبر إدخالها تدريجياً في النظام الاقتصادي الدولي، بحيث تتحول من دولة توظف نفوذها الإقليمي عبر الأذرع السياسية والعسكرية إلى دولة تبحث عن الاستثمارات، الأسواق، الطاقة، البنية التحتية، وسلاسل الإمداد؟ أم أن بنية النظام الإيراني، القائمة على فكرة الثورة الإسلامية والردع الإقليمي، ستجعل أي اتفاق اقتصادي محدود الأثر وقابلاً للفشل؟
القراءة الأولية تشير إلى أن ترامب لا يتحرك بمنطق “التطبيع السياسي” الكامل مع إيران، بل بمنطق الصفقة الكبرى: تجميد الخطر النووي، تخفيض كلفة المواجهة العسكرية، إعادة فتح ممرات الطاقة، ثم ربط النظام الإيراني بحوافز اقتصادية ضخمة تجعله يدفع ثمناً عالياً إذا عاد إلى التصعيد. هذه ليست سياسة ثقة بإيران، بل سياسة احتواء عبر المصالح.
الحديث عن صندوق أو خطة استثمارية بقيمة 300 مليار دولار يمثل جوهر هذه المقاربة. الرقم، إذا تحقق، لا يعني منحة أمريكية مباشرة لإيران، ولا يعني أن واشنطن ستدفع الأموال من ميزانيتها. الأرجح أنه إطار استثماري خاص تشارك فيه صناديق سيادية، شركات طاقة، مستثمرون من آسيا والخليج وربما أوروبا، بشرط رفع أو تخفيف العقوبات ووجود ضمانات قانونية وسياسية. لكن هذا لا يعني تلقائياً دخول الشركات الأمريكية إلى السوق الإيرانية، لأن ذلك يحتاج إلى تغيير قانوني وتنفيذي واضح في منظومة العقوبات الأمريكية، إضافة إلى موافقة سياسية داخل إيران نفسها.
من الناحية الاقتصادية، إيران تملك عناصر جذب كبيرة: احتياطيات ضخمة من الغاز والنفط، سوقاً داخلية كبيرة، موقعاً جغرافياً يربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز وتركيا، وبنية صناعية تحتاج إلى تحديث واسع. غير أن هذه المزايا كانت معطلة بسبب العقوبات، ضعف الثقة، هيمنة الدولة والمؤسسات شبه العسكرية على قطاعات اقتصادية حساسة، وتذبذب العملة والتضخم. لذلك فإن أي اندماج اقتصادي حقيقي لا يتوقف فقط على توقيع الاتفاق، بل على إعادة هيكلة بيئة الاستثمار داخل إيران.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يغيّر المال سلوك النظام الإيراني؟ الجواب يعتمد على مستوى الاتفاق المحتمل. فإذا اقتصر هذا الاتفاق على الملف النووي ورفع جزئي للعقوبات، فمن المرجح أن تستفيد إيران اقتصادياً دون أن تغيّر جوهر سياستها الإقليمية. أما إذا رُبطت الاستثمارات الكبيرة بشروط واضحة حول الصواريخ والميليشيات والملاحة عبر مضيق هرمز بالإضافة إلى أمن الطاقة والشفافية المالية، فقد يؤدي ذلك إلى تعديل تدريجي في السلوك، لا إلى تغيير أيديولوجي كامل.

النظام الإيراني قد يقبل بالاندماج الاقتصادي كوسيلة لإنقاذ الاقتصاد، لكنه لن يتخلى بسهولة عن فكرة “الثورة الإسلامية” بوصفها مصدر شرعية داخلية. ما قد يحدث هو انتقال من خطاب ثوري هجومي إلى خطاب براغماتي دفاعي؛ أي أن إيران قد لا تتخلى عن أيديولوجيتها، لكنها قد تخفّض كلفة تصديرها إذا أصبحت الاستثمارات والطاقة والتجارة أكثر أهمية لبقاء النظام من المواجهة المستمرة.

هل تدخل الشركات الأمريكية إلى السوق الإيرانية؟

يعتبر دخول الشركات الأمريكية إلى إيران من أكثر الملفات حساسية. من الناحية النظرية، إذا رُفعت العقوبات أو صدرت تراخيص أمريكية خاصة، تستطيع بعض الشركات الأمريكية الدخول في قطاعات محددة، خصوصاً الغذاء والدواء وقطاع الطيران المدني وكذلك التكنولوجيا غير الحساسة والطاقة النظيفة والخدمات الهندسية. لكن من الناحية السياسية، سيواجه ذلك اعتراضاً داخل واشنطن من تيارات تعتبر إيران خطراً استراتيجياً، وكذلك في داخل طهران من تيارات ترى أن دخول الشركات الأمريكية اختراق سياسي وثقافي وأمني.
لذلك من المرجح أن تكون المرحلة الأولى من الانفتاح الإيراني، إذا نجح الاتفاق، عبر شركات غير أمريكية: كالشركات الخليجية والآسيوية إضافة لبعض الشركات الأوروبية. أما الشركات الأمريكية فقد تأتي في مرحلة لاحقة، وبشكل انتقائي، وربما عبر تراخيص محددة أو شراكات غير مباشرة. لن يكون السوق الإيراني مفتوحاً بالكامل أمام الشركات الأمريكية منذ اليوم الأول.
وعندها قد يشهد الشرق الأوسط تحوّلاً اقتصادياً واسعاً. فعلاوة المخاطر في أسعار النفط والغاز ستتراجع، ما يخفف الضغط التضخمي العالمي. وقد تظهر ممرات لوجستية جديدة، ما يحول المنافسة مع إيران من صراع أمني إلى منافسة استثمارية وتجارية.
لكن هذا السيناريو المتفائل ليس مضموناً. ففشل الاتفاق قد يؤدي إلى عكس ذلك تماماً: فهناك احتمال كبير لعودة العقوبات أوتصعيد جديد في مضيق هرمز ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الإنفاق العسكري مع تراجع الاستثمارات في المنطقة. كما أن إسرائيل وبعض أعضاء الكونغرس الأمريكي قد لا يقبلون باتفاق يمنح إيران مكاسب اقتصادية كبيرة دون قيود صارمة على نفوذها الإقليمي.
وقد بدا واضحاً اليوم أن ترامب يحاول استخدام الاقتصاد كسلاح احتواء لا كهدية سياسية. فهو يريد أن يجعل كلفة التصعيد الإيراني أعلى من كلفة الاندماج. لكن نجاح هذه المقاربة تتطلب ثلاثة شروط تتمثل بإيجاد آلية تحقق صارمة وربط الاستثمار بالسلوك الإقليمي بالإضافة إلى ضمانات تمنع سيطرة المؤسسات العقائدية أو العسكرية الإيرانية على العوائد الاقتصادية. بدون هذه الشروط، قد يتحول أي اتفاق إلى إنعاش اقتصادي للنظام دون تغيير جوهري في سلوكه.

أهمية الدور السعودي في معادلة الاتفاق الأمريكي–الإيراني

يلعب الموقف الخليجي دوراً محورياً في أي تحول محتمل في سلوك إيران. ويعكس الموقف السعودي بوصلة التوجه العام لهذه المنطقة. فالسعودية ليست مجرد دولة مجاورة أو منافس إقليمي، بل هي مركز الثقل الاقتصادي والطاقوي في الخليج. لذلك فإن أي محاولة أمريكية لإدخال إيران في النظام الاقتصادي الدولي تحتاج عملياً إلى حد أدنى من القبول السعودي، أو على الأقل عدم الاعتراض الخليجي الحاد.

وإذا ما حدث أي تقارب أمريكي–إيراني اقتصادي في المستقبل، فإن السعودية ستكون “الضامن غير المباشر” للاستقرار الإقليمي، لا بوابة مباشرة للشركات الأمريكية نحو إيران. فالشركات الأمريكية لن تدخل السوق الإيرانية عبر الرياض بالمعنى القانوني المباشر، لأن العقوبات والتراخيص الأمريكية هي العامل الحاسم. لكن السعودية قد تلعب دوراً في خلق البيئة الإقليمية المناسبة: من تهدئة الخليج إلى حماية الممرات البحرية بالإضافة إلى خفض التصعيد في اليمن والعراق ولبنان، وفتح المجال أمام صناديق استثمار أو شركات متعددة الجنسيات التي تعمل ضمن إطار أوسع.
بمعنى آخر، السعودية قد لا تكون “جسر الشركات الأمريكية إلى إيران”، لكنها قد تكون “جسر الثقة الخليجية والإقليمية” الذي يجعل الاستثمار في إيران أقل خطورة. وإذا أرادت واشنطن تحويل الاتفاق من تفاهم أمني مؤقت إلى هندسة اقتصادية شرق أوسطية، فإنها ستحتاج إلى الرياض وأبوظبي والدوحة أكثر مما تحتاج إلى طهران وحدها.

أهمية العراق في أي اتفاق محتمل

أما العراق، فهو الحلقة الأكثر حساسية في هذا التحول. العراق ليس طرفاً هامشياً، بل هو المساحة التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية والخليجية والتركية. وإذا اندمجت إيران اقتصادياً دون إعادة تنظيم دور العراق، فقد يتعرض الاقتصاد العراقي لخطر التحييد؛ أي أن تتحول إيران إلى الوجهة الاستثمارية الكبرى بينما يبقى العراق سوقاً وسيطة للطاقة والتجارة والنفوذ السياسي.
لكن السيناريو الآخر أكثر إيجابية: فإذا استفاد العراق من الاتفاق بوصفه دولة عبور ومركز ربط بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا وأوروبا، فقد يصبح في هذه الحالة منصة للطاقة وسلاسل الإمداد، لا مجرد ساحة نفوذ. ويشمل ذلك الموانئ والسكك الحديدية والكهرباء والغاز والبتروكيماويات والمصارف والربط التجاري بين الخليج وآسيا الوسطى.
الاقتصاد العراقي سيستفيد إذا امتلكت بغداد سياسة اقتصادية مستقلة وواضحة. أما إذا بقي العراق يعمل بمنطق التوازن السياسي بين واشنطن وطهران فقط، فقد يصبح جزءاً غير معلن من التفاهم: تهدئة أمنية مقابل استمرار النفوذ، وفتح اقتصادي محدود مقابل عدم تفكيك شبكات المصالح القائمة.

السؤال الجوهري هنا: هل العراق هو الجزء غير المعلن من مذكرة التفاهم؟ لا توجد أدلة رسمية كافية للقول إن العراق ذُكر كملف مكتوب أو بند سري. لكن من الناحية الواقعية، لا يمكن تنفيذ أي اتفاق أمريكي–إيراني مستقر دون معالجة الساحة العراقية. فالفصائل وملف الطاقة والدولار والتبادل التجاري بالإضافة إلى الغاز الإيراني والوجود الأمريكي كلها ملفات عراقية مرتبطة مباشرة بالتفاهم مع طهران.
لذلك يمكن القول إن العراق ليس بالضرورة “بنداً مكتوباً”، لكنه بالتأكيد “بند عملي” في أي صفقة إقليمية. واشنطن قد تسعى إلى توسيع وجود الشركات الأمريكية في العراق، خصوصاً في الطاقة والكهرباء والغاز والبنية التحتية، ليس فقط لخدمة العراق، بل لاختبار نموذج عمل قريب من إيران وتحضير بيئة إقليمية تسمح لاحقاً بالانتقال إلى السوق الإيرانية إذا رُفعت العقوبات.
وهنا يصبح العراق مختبراً اقتصادياً وسياسياً. فإذا نجحت الشركات الأمريكية في العراق، ونجحت بغداد في ضبط الفصائل والفساد والمخاطر القانونية، فقد يصبح العراق بوابة ناعمة لإعادة صياغة الاقتصاد الإقليمي. أما إذا بقي العراق رهينة شبكات النفوذ، فقد تستفيد إيران من الانفتاح بينما يبقى العراق ممراً لا مركزاً.
لذا يمكن القول بأن كلاً من السعودية والعراق يمثلان جناحي أي اتفاق أمريكي – إيراني محتمل. فالسعودية تمنح الشرعية الإقليمية والاستقرار المالي، أما العراق فيمنح العمق الجغرافي وساحة الاختبار. وإذا تم تجاهل العراق، فإن الاتفاق الأمريكي–الإيراني المحتمل قد ينتج توازناً هشاً تندمج فيه إيران اقتصادياً ويراقبه الخليج بحذر، في حين يدفع فيه العراق ثمن كونه منطقة تماس.
أما إذا أُدخل العراق في معادلة التنمية، فقد يكون من أكبر المستفيدين. حينها يمكن أن يتحول من اقتصاد ريعي محاصر بالجغرافيا السياسية إلى محور إقليمي لسلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار. وهذا يتطلب رؤية عراقية واضحة ترتكز على جذب الشركات الأمريكية والغربية والحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران، إضافة إلى توسيع الشراكات الخليجية ومنع تحويل العراق إلى منطقة نفوذ غير معلنة داخل أي تفاهم أمريكي–إيران.
التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.