هل يعيد التوازن القضائي صياغة مناخ الاستثمار في العراق؟
ولم يعد مفهوم الحوكمة في الأدبيات الاقتصادية الحديثة مجرد شعار إداري، بل تحول إلى ركيزة أساسية تُقاس بها كفاءة الدول في إدارة مواردها وحماية أصولها السيادية. وفي العراق فإن مسار التحول التنموي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة مؤسسات الدولة على صياغة بيئة قانونية وإدارية آمنة ومستقرة، قادرة على طمأنة رأس المال الأجنبي وتحفيز الاستثمار المحلي.
ويشهد العراق اليوم حراكاً مؤسسياً لافتاً يسعى إلى معالجة الإرث الثقيل للفساد الهيكلي. ولا يتم ذلك من خلال أدوات الردع والملاحقة وحسب، وإنما عبر ترسيخ قيم العدالة وتعزيز الثقة بالقوانين التي تفصل بدقة بين المسؤولية الجنائية الفعلية والسجالات السياسية المؤقتة.
وتتجلى ملامح هذا التحول الإستراتيجي في التنسيق رفيع المستوى بين الأجهزة التنفيذية والسلطة القضائية، وهو تداخل بدا جلياً الحملة الأخيرة التي بدأتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي لتقصي هدر المال العام ومكافحة استغلال النفوذ والتي عرفت باسم “صولة الفجر”.
إن تفعيل قنوات التنسيق المشتركة تحت مظلة القانون، كما ظهر في الإجراءات الرقابية والميدانية الصارمة لمكافحة الفساد، يُمثل خطوة جوهرية لتفكيك شبكات المصالح المعقدة وسد الثغرات الإدارية في قطاعات حيوية كالضرائب والجمارك والعقود الحكومية.
وقد أسفرت الضربات الأولى للحملة ضد الفساد عن تفكيك شبكات تلاعب كبرى في منافذ حدودية وقطاعات طاقة حيوية، ما أدى إلى استرداد وتجميد أصول مالية منهوبة تجاوزت قيمتها مئات الملايين من الدولارات وإعادتها مباشرة إلى خزينة الدولة.
رسالة للأسواق
هذا التناغم المؤسسي المدعوم بلغة الأرقام يرسل إشارة قوية للأسواق الدولية بأن مكافحة الفساد لم تعد تخضع لمزاجية الأزمات أو الاستعراض الإعلامي، بل تحولت إلى مسار منهجي تشرف عليه سلطة إنفاذ القانون بالتعاون الكامل مع مجلس القضاء الأعلى، مما يضمن صياغة ملفات قانونية متماسكة تستند إلى الأدلة والوثائق الدقيقة.
ولا يمكن قراءة هذا الحزم القضائي بمعزل عن القيادة الاستثنائية التي تدير هذه الملفات؛ حيث تبرز الشجاعة الإستراتيجية لرئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، كعنصر حاسم في مواجهة التداخل المعقد بين شبكات الفساد المالي الصعبة وتأثير السلاح المنفلت.
لقد اتبع القاضي زيدان منهجية صارمة وجسورة في تفكيك هذه الإمبراطوريات غير المشروعة، ما يعيد إلى الأذهان التجربة الإيطالية التاريخية الرائدة في مجابهة المافيا بقيادة القاضي جيوفاني فالكوني، حيث استوجب تقويض نفوذ الجريمة المنظمة هناك إرادة قضائية صلبة لم تنحن أمام التهديدات والمخاطر.
هذه الصلابة في إنفاذ سلطة الدولة وتطويق قوى اللادولة تشكل صمام الأمان الأساسي لطمأنة المستثمر الأجنبي بأن القانون هو المرجعية العليا والوحيدة لحماية الحقوق والتعاقدات الإستراتيجية.
تعزيز الحوكمة
بالمقابل من ذلك، فإن الوجه الآخر لترسيخ هيبة القانون ومأسسة العدالة تحت هذه المظلة الشجاعة يكمن في إرساء مبدأ حصانة البراءة وحماية متخذ القرار التكنوقراطي من الابتزاز والاتهامات الكيدية؛ إذ لا يمكن للاقتصاد الوطني أن يزدهر في ظل بيئة إدارية يخشى فيها المسؤولون توقيع العقود الاستثمارية الكبرى نتيجة الضغوط أو الابتزاز.

وهنا تبرز القرارات القضائية الأخيرة، وتحديداً حسم القضاء العراقي لملف “الأمانات الضريبية” أو ما يعرف باسم “سرقة القرن” – التي تمثلت بالاستيلاء الممنهج على نحو 2.5 مليار دولار من أموال الهيئة العامة للضرائب عبر شبكة من الشركات الوهمية والصكوك المزورة بالتواطؤ مع أطراف داخلية متنفذة – ودحضه بوضوح محاولات بعض الجهات السياسية إقحام اسم رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي في هذه القضية – – بعد ثبوت عدم صلته بها، وأن إدارته هي التي ألقت القبض على المشتبه به الرئيسي في الأصل – كحالة دراسية بالغة الأهمية تؤكد مهنية واستقلالية المنظومة العدلية وقدرتها على عزل الملفات الفنية الحساسة عن التأثيرات والمناكفات السياسية.
ويأتي هذا الحسم القضائي في خضم عملية محاسبة أوسع نطاقاً وأكثر شمولية على مستوى النظام؛ فقد وجه الادعاء العام العراقي مؤخراً “محكمة تحقيق الكرخ الثانية” بفتح تحقيق رسمي في تباينات مريبة تتعلق باختفاء ما يقدر بـ 140 مليار دولار من الإيرادات العامة خلال السنوات الأخيرة (2023-2024-2025). ويُذكّر هذا الرقم الهائل بتصريحات سابقة لمسؤولين كبار في الدولة العراقية، لا سيما ما كشف عنه الرئيس السابق برهم صالح عام 2021 من تهريب نحو 150 مليار دولار إلى الخارج عبر صفقات فساد منذ عام 2003؛ وهي أموال كان من شأنها أن تُحدث تحولاً جذرياً في مسار التنمية في البلاد.
ولم تعد مواجهة ملف هذه المليارات المفقودة مجرد ضرورة محلية، بل أصبحت ركيزة أساسية في عملية التعافي السيادي للعراق. فقد حمل هذا القرار القضائي الخاص في طياته أثراً اقتصادياً بالغ الأهمية؛ فهو يرسل رسائل طمأنينة فورية للشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات التمويلية حول ثبات واحترام العقد القانوني وحماية بيئة الأعمال من المزاجية السياسية، ما يخفض كلفة التأمين على المشاريع الاستثمارية الكبرى في العراق نتيجة تراجع تقييم مخاطر عدم إنفاذ القانون.
تحسين سمعة العراق
علاوة على ذلك، يمثل هذا الحسم القضائي قوة دفع لتعزيز سمعة العراق الدولية؛ وتحسي تصنيفه الإئتماني أمام وكالات التصنيف الائتماني العالمية، مثل فيتش وموديز وصندوق النقد الدولي. لذا فإن امتلاك الدولة العراقية إلى منظومة مراجعة داخلية ناضجة وقادرة على كشف الحقائق وتبرئة المسؤولين وفق أعلى معايير الشفافية الدولية، ستكون أداة مهمة تمهد الطريق لرفع الجاذبية الاستثمارية للاقتصاد الوطني وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة.
إن هذا التوازن الدقيق بين صرامة ملاحقة الرؤوس الكبرى للفساد والسلاح من جهة، وعدالة الإنصاف وحماية الكفاءات الإدارية من جهة أخرى، يُمثل الضمانة الوحيدة لبناء الثقة في النموذج العراقي الناشئ.
ومع توجه الدولة نحو التحول الرقمي وأتمتة المعاملات المالية فإن حكومة الزيدي تكون قد وضعت أولى اللبنات التي ستقطع الطريق أمام عمليات التلاعب والفساد. وعندها سيكون من الضروري تعزيز قنوات الاتصال بين ديوان الرقابة المالية والجهات القضائية والتنفيذية لضمان الاستمرارية والتنسيق. بالإضافة لذلك يجب تفعيل التعاون الدولي لجلب الهاربين و محاسبتهم من دون أي تدخل محلي أو أجنبي ما يعزز مفهوم السيادة و يخلق بيئة مستقرة تطمح دائماً نحو الأفضل.
تدويل ملاحقة الفساد والتعاون القضائي المشترك
وفي خطوة تعكس تسارع الجهود العراقية لتدويل ملاحقة ملفات الفساد العابرة للحدود، بحث رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي الدكتور فائق زيدان، مع كل من المدعي العام البريطاني ريتشارد هيرمر ومستشار الأمن القومي البريطاني، السيد جوناثان باول، سبل تعزيز التعاون القضائي والقانوني المشترك وآليات التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وينطلق هذا التنسيق رفيع المستوى من حقيقة جيوسياسية بالغة الأهمية؛ وهي أن ملف مكافحة الفساد في العراق لم يعد شأناً محلياً بحتاً، بل تحول إلى مطلب دولي ملحّ نظراً لخطورة شبكات الفساد والتمويل غير المشروع وارتباطها الوثيق بزعزعة أمن المنطقة والعالم.
ومع امتلاك العراق اليوم لفرص اقتصادية واعدة ومشاريع ربط استراتيجية كبرى، تبرز حاجة الدولة الملحة لاستثمار هذه الفرص وتوجيه عائداتها نحو التنمية المستدامة، بعيداً عن عصابات الفساد المالي والإداري التي توغلت في أجهزة الدولة ومؤسساتها لأكثر من عقدين من الزمن وعطلت نهوضها.
وتأتي هذه اللقاءات لترسم إطاراً عملياً واستراتيجياً متقدماً يستهدف بناء منظومة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمالية حول شبكات الفساد، وتفعيل قنوات التنسيق العدلي المباشر لتسليم المطلوبين والقبض على المتهمين بتهريب الأموال العامة الذين يتخذون من العواصم الغربية ملاذاً لهم.
إن هذا التنسيق الدولي يثبت أن العراق ما عاد يكتفي بالملاحقة المحلية، بل يتجه لفرض حصار قانوني خارجي على أصوله المنهوبة، مما يعزز مفهوم السيادة القضائية ويخلق بيئة اقتصادية مستقرة ومحاطة بضمانات دولية تطمح دائماً لجذب الاستثمار وتنمية الفرص.
مرتبط
مواضيع مرتبطة